محمد الريشهري
163
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
عمّا يُراد بها ، أو أُترك سدىً ، أو أُهمل عابثاً ، أو أجرّ حبل الضلالة ، أو أعتسفُ طريق المتاهة ! . . . إليكِ عنّي يا دنيا ، فحبلكِ على غاربكِ ، قد انسللتُ من مخالبكِ ، وأفلَتُّ من حبائلكِ ، واجتنبتُ الذهاب في مداحضِك ، أين القرون الذين غَررتِهم بمَداعبك ! أين الأُمم الذين فتنتِهم بزَخارفكِ ! فها هم رهائن القبور ، ومضامين اللحود . والله لو كنتِ شخصاً مرئيّاً ، وقالباً حسّيّاً ، لأقمتُ عليكِ حدود الله في عباد غررتِهم بالأماني ، وأُمم ألقيتِهم في المهاوي ، وملوك أسلمتِهم إلى التلف ، وأوردتِهم موارد البلاء ، إذ لا ورد ولا صدر ! هيهات ! من وَطئ دَحضكِ زَلق ، ومن ركب لججك غرق ، ومن ازوَرَّ عن حبائلكِ وُفّق ، والسالم منك لا يُبالي إن ضاق به مناخُه ، والدنيا عنده كيوم حان انسلاخُه . اعزُبي عنّي ! فوَالله لا أذلّ لك فتستذلّيني ، ولا أسلسُ لك فتقوديني . وأيم الله - يميناً استثني فيها بمشيئة الله - لأروضنّ نفسي رياضةً تهشُّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً ، وتقنعُ بالملح مأدوماً ، ولأَدعنّ مقلتي كعين ماء نضب معينُها ، مستفرغةً دموعها . أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك ، وتشبع الربيضة من عشبها فتربض . ويأكل عليٌّ من زاده فيهجع ؟ ! قرّت إذاً عينه إذا اقتدى - بعد السنين المتطاولة - بالبهيمة الهاملة ، والسائمة المرعيّة . طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضَها ، وعَرَكت ( 1 ) بجنبها بؤسها ، وهجرت في
--> ( 1 ) عرك البعيرُ جنبَه بمرفقه : إذا دلكه فأثّر فيه ( النهاية : 3 / 222 ) .